السيد محمد حسين الطهراني
27
معرفة المعاد
وعليه فانّ عالم الآخرة هو باطن الدنيا ، والدنيا هي ظاهر الآخرة ، يشهد على هذا المعنى قول الله سبحانه بعد هذه الآية مباشرةً : سَابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرض اعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ . « 1 » فالسبق إلى المغفرة وإلى جنّة الله أمر موجود في هذه الدنيا ، وحاصلٌ في هذه الحياة إذا ما كان نظر الانسان إلى باطن الدنيا وسلسلة نشاطاته ومساعيه منظّمة على أساسها . على أنّ جميع الأمور الدنيويّة التي تشكّل الأساس لمعيشة البشر وحياته في هذا العالم ، كالمعاملات ، التجارات ، الزراعات ، الصناعات ، النكاح والطلاق وغيرها هي أمور مشتركة بين المؤمن والكافر . فالمؤمن يحصل منها على نتيجة حقيقيّة لأنه يتوجّه إلى أصالتها ، والكافر يحصل على نتيجة إعتباريّة لأنه يتوجّه إلى ظاهرها بصورة محضة . لقد كان أمير المؤمنين عليه السلام يمسك بالمسحاة ، فيبذر البذور ويزرع الأرض ويزرع النخل فيوجد بساتين النخيل ، وكان يحفر الأرض ويجري قنوات الماء الجاري ، كما كان الكفرة يعملون نفس هذه الأعمال ، فما الفارق يا ترى ؟ ! فهذه هي الغفلة وتلك هي اليقظة والصحو ، فهذا كان ينقّب ويبحث بأمل التمتّع من هذه اللّذات والإفادة على أساس حبّ النفس وزيادة الثروة والمال والأولاد ، وذاك لإعانة المساكين والفقراء ومدّ يد المساعدة إليهم ، وكان يفعل ذلك من أجل العدل والرحمة ، ومن أجل رضا الخالق ، وسعياً لعالم أبديّة المعنى والروح وأصالتها . لما ذا كان أمير المؤمنين يحفر الآبار ويجري القنوات ؟ لما ذا كان
--> ( 1 ) - الآية 21 ، من السورة 57 : الحديد